عباس محمود العقاد
231
أبو الشهداء الحسين بن علي ( ع )
ورأى هذا الرجل صاحب له بعد حين ، وقد تغيّر وجهه واسودّ لونه ، فقال له : « ما كدت أعرفك » ، وكان يعرفه جميلا شديد البياض « 1 » . ومنهم من كان يتزاور عن الحسين في المعمعة « 2 » ، ويخشى أن يصيبه أو يصاب على يديه « 3 » . ولو أنّهم حاربوه لأنّهم علموا أنّه أهل للمحاربة فلم يتزاوروا عنه ولم يتحاشوه لكانت الحرب هنالك حربا بين رأيين ومذهبين وشجاعتين ، ولكنّهم كشفوا أنفسهم بتحاشيهم إيّاه . فإذا هم يحاربون رأيهم الذي يدينون به ، ووليهم الذي يضمرون له الحرمة والكرامة ، وفي ذلك خزيهم الأثيم . على أنّ الجبن والجشع لا يفسران كلّ ما اقترفه جيش عبيد اللّه من شرّ ولؤم في أيام كربلاء . فلا حاجة بالجبان ولا بالجشع إلى التمثيل والتنكيل أو التبرّع بالإيذاء حيث لا تلجئه الضرورة إليه ، وليس قتل الطفل الصغير الذي يموت من العطش وهو على مورد الماء بالأمر الذي يلجئ إليه الجبن أو يلجئ إليه طلب المال ، وقد حدث في أيام كربلاء من أمثال هذا البغي اللئيم شيء كثير رواه الأمويون ، ولم تقتصر روايته على الهاشميين والطالبيين أو أعداء بني
--> ( 1 ) راجع : تذكرة الخواص 281 ، سمط النجوم العوالي 3 : 196 . ( 2 ) المعمعة : صوت المقاتلة في الحرب ، أو : استعار نار الحرب . ( لسان العرب 13 : 144 ) . ( 3 ) انظر الكامل في التاريخ 3 : 293 .